محمود سالم محمد

314

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

فالناس في ذلك الوقت كانوا منشغلين بالشعر ، يستسهلون نظمه ، فكثر المتشاعرون والناظمون ، ويظهر أن مفهومهم للشعر كان مختلا ، إذ اكتفوا منه بالهيّن الهش ، وتقاعسوا عن طلبه والتدرب عليه ، وهذا ما أوضحه حازم القرطاجني حين قارن بين أهل زمانه وبين العرب القدماء في قوله : « العرب القدماء كانت تتعلم الشعر ، لا تجد شاعرا مجيدا منهم إلا وقد لزم شاعرا آخر المدة الطويلة ، وتعلم منه قوانين النظم ، واستفاد منه الدربة في أنحاء التصاريف البلاغية . . فإذا كان أهل ذلك الزمان قد احتاجوا إلى التعلم الطويل ، فما ظنك بأهل هذا الزمان ، بل أية نسبة بين الفريقين . وأنت تجد الآن الحريص على أن يكون من أهل الأدب المتصرفين في صوغ قافية أو فقرة من أهل زماننا ، وله القليل الغث منه بالكثير من الصعوبة ، بأي وشمخ ، وظن أنه سامى الفحول وشاركهم ، رعونة منه وجهلا ، من حيث ظن أن كل كلام موزون شعر » « 1 » . أما المدائح النبوية ، فكانت فنا متميّزا في الشعر المملوكي ، حمل جميع المظاهر الشعرية التي كانت سائدة في ذلك العصر ، أو التي ظهرت فيه ، وحث الشعراء على الارتقاء في فنهم الشعري إلى أقصى درجة يستطيعون الوصول إليها ، ليناسب قدر الممدوح عليه السلام ، لكن قسما كبيرا من مادحي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم تسعفهم الشاعرية الخصبة والموهبة الأصلية ، فنظموا المدائح النبوية للفوز بالمجد الأدبي في الدنيا ، وبالشفاعة في الآخرة ، لذلك نجد تفاوتا كبيرا في الأسلوب بين شعراء المديح النبوي ، كذلك شارك كثير من العلماء وغيرهم في هذا الفن بالطريقة التي يقدرون عليها ويحسنونها ، فظهرت الموشحات المدحية ، والزجل المدحي ، وغير ذلك من فنون الشعر التي انتشرت في هذا العصر .

--> ( 1 ) حازم القرطاجني : منهاج البلغاء ص 27 .